تقرير: باسل محمود
تشكل زيارة رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، خطوة مهمة في تاريخ العلاقات بين البلدين التي تمتد لأكثر من خمسة عقود؛ حيث تأتي هذه الزيارة في إطار تعزيز الشراكة الإستراتيجية التي تميز العلاقات الثنائية بين البلدين الصديقين، والتي شهدت نمواً مستمراً منذ بداياتها في عام 1971، وهو العام الذي تأسست فيه دولة الإمارات العربية المتحدة.
أهم مجريات اللقاء
استقبل الرئيس الأمريكي جو بايدن الشيخ محمد بن زايد في البيت الأبيض، وأكد أهمية هذه الزيارة في دفع العلاقات بين البلدين إلى مستويات أعلى من التعاون والشراكة على جميع المستويات، خصوصاً في ظل التحديات العالمية الراهنة التي تتطلب تكاتف الجهود.
تأتي هذه الزيارة في إطار تعزيز الشراكة الاستراتيجية التي تجمع البلدين، حيث يشمل التعاون بينهما مجموعة واسعة من المجالات مثل الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة المتجددة والأمن الإقليمي. فضلًا عن أنّها تعكس التزام البلدين بتعميق شراكتهما في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي واستكشاف الفضاء، مع توقيع العديد من الاتفاقيات الاستثمارية والتكنولوجية في السنوات الأخيرة.
أثناء اللقاء الذي جمع الرئيس الإماراتي بنظيره الأمريكي جو بايدن في البيت الأبيض، تم تسليط الضوء على تقوية الروابط الاقتصادية والتجارية بين الجانبين، إلى جانب مناقشة عدد من القضايا الإقليمية والدولية المهمة، أبرزها الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، بالإضافة إلى ضرورة تكثيف الجهود المشتركة في مواجهة تحديات التغير المناخي، من خلال شراكات تهدف إلى تسريع الطاقة النظيفة وتعزيز الاستدامة البيئية.
ومن الجدير بالذكر أنّ الرئيس الأمريكي جو بايدن أشاد بالعلاقات الراسخة التي تجمع البلدين خلال اللقاء، مؤكداً على الثقة والاحترام المتبادل بينهما، في حين أكد الشيخ محمد بن زايد على أن الإمارات تسعى دائماً إلى بناء جسور متينة مع حلفائها، بما يعزز الأمن والاستقرار الدوليين ويدعم التنمية والازدهار على مستوى المنطقة والعالم. هذا التوجه الاستراتيجي يعزز رؤية البلدين المشتركة نحو بناء مستقبل مستدام ومزدهر، ويؤكد على دور الإمارات كلاعب رئيس في القضايا الإقليمية والعالمية.
نمو التجارة بين الإمارات والولايات المتحدة
تعتبر الشراكة الاقتصادية بين الإمارات والولايات المتحدة من أهم دعائم العلاقات بين البلدين، ففي عام 2023 بلغ حجم التجارة الخارجية غير النفطية بين البلدين نحو 39.5 مليار دولار، وهو ما يعكس نمواً ملحوظاً، مقارنة بحوالي 32.8 مليار دولار في عام 2022، مما يعزز مكانة الإمارات كأحد أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط.
تمثل العلاقات التجارية بين البلدين مزيجاً من الواردات والصادرات وإعادة التصدير، فقد ارتفعت واردات الإمارات من الولايات المتحدة لتصل إلى 25.9 مليار دولار في عام 2023، مقارنة بنحو 21.3 مليار دولار في العام الأسبق، وهو ما يعكس الطلب المتزايد على المنتجات والخدمات الأمريكية.
ومن جانب آخر، شهدت صادرات الإمارات إلى الولايات المتحدة ارتفاعاً ملحوظًا، حيث بلغت 3.9 مليار دولار في عام 2023 مقارنة بـ3.2 مليار دولار في 2022. هذا بالإضافة إلى ارتفاع قيمة إعادة التصدير من الإمارات إلى الولايات المتحدة إلى 9.6 مليار دولار.
كما لا تقتصر العلاقات الاقتصادية بين البلدين على التجارة فحسب، وإنما تشمل الاستثمارات أيضًا، ففي الفترة الواقعة بين العامين (2018-2023) بلغت استثمارات الإمارات في الولايات المتحدة 3.7 مليار دولار، بينما بلغت استثمارات الولايات المتحدة في الإمارات نحو 9.5 مليار دولار. هذه الاستثمارات تغطي قطاعات حيوية مثل الطاقة المتجددة، والعقارات، وتكنولوجيا المعلومات، مما يعكس تنوع مجالات التعاون بين البلدين.
قضايا إقليمية ودولية ذات اهتمام مشترك
خلال اللقاء الذي جمع بين الشيخ محمد بن زايد والرئيس جو بايدن، تم التطرق إلى العديد من القضايا الإقليمية والدولية، في مقدمتها الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، والتي تمثل إحدى أبرز التحديات التي تواجه منطقة الشرق الأوسط حالياً.
في هذا السياق، أكد الشيخ محمد بن زايد على ضرورة وقف التصعيد في غزة بشكل فوري، مشيراً إلى أهمية الجهود المبذولة من قبل الولايات المتحدة بالتعاون مع مصر وقطر للتوصل إلى وقف إطلاق النار والإفراج عن الأسرى والمحتجزين من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.
كما شدد الشيخ محمد بن زايد على أن حل القضية الفلسطينية يجب أن يستند إلى \”حل الدولتين\”، كسبيل لتحقيق السلام الشامل والدائم في المنطقة، بما يضمن الأمن والاستقرار لجميع شعوب المنطقة، ويعزز من فرص التنمية والازدهار.
التعاون التكنولوجي
شهدت السنوات الأخيرة تطوراً كبيراً في التعاون بين الإمارات والولايات المتحدة في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ففي يونيو 2023 وقعت شركة \”World Wide Technology\” الأمريكية اتفاقية مع شركة \”NXT Global\” الإماراتية لإنشاء أول مركز تكامل للذكاء الاصطناعي في مدينة مصدر بأبوظبي، الذي يُعد أحد أكثر المجمعات الحضرية استدامة في العالم؛ حيث سيكون هذا المركز بمثابة مركز للأبحاث والتطوير في مجالات الذكاء الاصطناعي، ويساهم في تعزيز مكانة الإمارات كمركز عالمي للابتكار التكنولوجي.
كما شهد أبريل 2023 إعلان شركة مايكروسوفت عن استثمار استراتيجي بقيمة 1.5 مليار دولار في شركة G42 الإماراتية، وهو ما يعزز من التعاون المتزايد بين البلدين في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية. هذه الشراكات التكنولوجية تعكس التزام البلدين بتطوير تقنيات المستقبل ودعم الابتكار، مما يسهم في تعزيز الاقتصاد الرقمي وتحقيق نمو مستدام.
اقرأ أيضًا: شراكة بين “إم جي إكس” الإماراتية و”مايكروسوفت” لدعم البنية التحتية للذكاء الاصطناعي
التعاون الفضائي بين الإمارات وأمريكا
لم يقتصر التعاون الإماراتي الأمريكي على مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا فحسب، بل امتد أيضاً إلى مجال استكشاف الفضاء، ومن أهم المشاريع التي تمّ إنجازها ما يأتي:
- مسبار الأمل
أطلقت الإمارات \”مسبار الأمل\” بالتعاون مع أمريكا عام 2021، لتعزيز التعاون العلمي بين البلدين في مجال الفضاء، وفي إطار هذا التعاون، أعلنت الإمارات عن مهمة جديدة لاستكشاف حزام الكويكبات بالتعاون مع جامعة كولورادو بولدر، مما يعزز من مكانتها كأحد اللاعبين الرئيسيين في مجال الفضاء.
- مشروع \”NASA\’s Lunar Gateway\”
تلعب الإمارات دوراً مهماً في مشروع \”NASA\’s Lunar Gateway\”؛ حيث تعمل على تطوير وحدة مخصصة لإقفال الهواء لرواد الفضاء، وهو مشروع سيتيح إرسال أول رائد فضاء إماراتي لمدار القمر بحلول 2030. هذه المبادرات تعكس التزام الإمارات بالابتكار العلمي والتكنولوجي، وتوطيد شراكتها مع الولايات المتحدة في استكشاف الفضاء.
اقرأ أيضًا: الإمارات تطلق “سبيس 42”.. واحدة من أكبر شركات تكنولوجيا الفضاء في العالم
العمل المناخي بين الإمارات وأمريكا
يمثل العمل المناخي أحد أوجه التعاون الرئيسة بين الإمارات والولايات المتحدة، وقد تجسدت الشراكة بين البلدين في هذا المجال بإطلاق مبادرة تسريع الطاقة النظيفة \”PACE\” التي تهدف إلى تعبئة 100 مليار دولار لتوليد 100 جيجاواط من الطاقة النظيفة بحلول عام 2035، مما عكس التزام البلدين بمواجهة تحديات التغير المناخي ودعم الاستدامة البيئية.
كما تشترك الإمارات والولايات المتحدة في قيادة مبادرة \”AIM for Climate\”، التي تضم أكثر من 50 دولة و500 شريك بهدف إلى تعزيز الزراعة المستدامة، وتطوير حلول مبتكرة لمواجهة تحديات الأمن الغذائي.
مشاريع الطاقة النظيفة بين الإمارات وأمريكا
تواصل الإمارات استثماراتها في قطاع الطاقة النظيفة في الولايات المتحدة، فقد استثمرت شركة مصدر الإماراتية في 11 مشروعاً للطاقة المتجددة في الولايات المتحدة؛ بما في ذلك مشروع \”Big Beau\” للطاقة الشمسية والبطاريات بالقرب من لوس أنجلوس، الأمر الذي يعكس التزام الإمارات بتعزيز الطاقة النظيفة وتقليل الانبعاثات الكربونية، بما يساهم في تحقيق أهداف الاستدامة العالمية.
أكدت زيارة الشيخ محمد بن زايد على عمق الشراكة الاستراتيجية التي تمتد لأكثر من خمسة عقود بين إمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، بما يستند إلى رؤية مشتركة لتحقيق السلام والاستقرار والازدهار على المستويين الإقليمي والدولي.
اقرأ أيضًا: الإمارات تنافس العالم في صناعة الطاقة الشمسية








